محمد ابو زهره
826
خاتم النبيين ( ص )
وخلاصة عقد الذمة أنه تضمن : أولا : أنه لا يهدم لهم بيعة ، ولا يمنع منهم قس من أداء شعائرهم الدينية ، ولا يفتنون في دينهم ما لم يحدثوا أحداثا يكون من شأنها نقض التزامهم . وثانيا : أن يلتزموا أحكام المعاملات المالية الإسلامية ، بحيث لو ثبت أنهم يأكلون ربا الجاهلية ترد عليهم ذمتهم لأنهم نقضوها . ثالثا : أن يلتزموا بأحكام الحدود والقصاص ، بحيث يجرى عليهم ما يجرى على المسلمين فيها على سواء ، وقد أخذ من نصارى نجران الجزية من الثياب ، أخذها منهم مجتمعين على قسطين الأول في صفر ، وكان ألف حلة ، وفي رجب ألف مثلها إلى آخر العام أو إلى نهاية المحرم . وللمسلمين أن يأخذوا على وجه العارية ثلاثين درعا يدرعون به ، وثلاثين فرسا ، يحاربون عليها ، أو بعبارة عامة ثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزو بها المسلمون ، والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم . ولم تكن الجزية مقيدة بجنس ، بل تصح بالدنانير والدراهم ، كما تصح بالثياب ، على حسب ما يقدرون عليه ، وعلى حسب حاجة المسلمين إليه . وإن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم لما أرسل معاذ بن جبل ليجمع الجزية أمره أن يأخذ من كل رجل بلغ الحلم دينارا . ولم يفرضها على النساء والعبيد والمرضى ، بل فرضها على القادرين دون المؤمنين والعاجزين ، وإن الجزية كانت تؤخذ من نصارى العرب ، إلى أن أجلى عمر بن الخطاب النصارى عن الجزيرة العربية نفسها ، وإن بقي بعضهم في أطرافها كاليمن ، فكانت تؤخذ منهم الجزية كما تؤخذ من اليهود المقيمين بها ، ولم يغادروها إلى داخل الجزيرة . ونلاحظ في الجزية التي أمر بها الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم أمورا ثلاثة : أولها : أنها لم تكن معينة في جنس ، بل كان يعين على أساس التيسير عليهم ، فكانوا تتيسر عليهم الدنانير فهي الأصل في التقدير ، وإن لم تتيسر الدنانير وتيسرت الثياب أو غيرها أخذ مما يتيسر عليهم أداؤه . ثانيها : أنها ليست المقدار في الجماعة . بل تنقص وتزيد على حسب حاجة المسلمين ، وقدرة من يعطونها . وثالثها : أنها تسقط أو تدفع جملة على حسب طاقة الدافعين من غير إفراط ولا تفريط .